خالد شاب ملتزم , ينشر الخير أينما حلَّ , من أحباب الله الذين بشَّرهم رسوله بهذه المنزلة حين قال : أحب الناس إلى الله أنفعهم لخلقه ..
ذات ليلة و مع ساعات السحر التي يتنشر فيها الصمت و تُطبق الظُلمة على المكان لتسبق شمسا قادمة تُبدد الليل الحالك , استيقظ خالد من نومه ليخلد إلى راحة القلب و السكينة في قيامٍ لليل بين يدي رحمنٍ رحيم …
خرج خالد من غرفته وتوضأ و بعد ان صلى من الليل حتى سار معه إلى ما قبل الفجر , ذهب ليعطي أمه من الأجر والبركة ….
فاستيقظت الأم و ابتهلت إلى ربها و أنهت من الليل ركعتين جلست بعدهما على سجادة الصلاة تنتظر انتهاء آذان الفجر وتملأ وقتها بالتسبيح , فجاءها خالد وجلس أمامها , و قبَّل بحرارةٍ يدها و طلب منها الدعاء ..
- وفقك الله و سهل لك دربك و جعلك ممن يرضى الله عنهم و يرضيهم في الدنيا والآخرة ..
ابتسم خالد بعد هذه الكلمات و دخل السرور إلى نفسه مستبشرا بصباحٍ مُبارك خطَّت بركته دعوة أُمٍ جعل الله الجنة تحت أقدامها ..
- أكثري من الدعاء لي يا حجة ..
ولأن الشفيق بسوء الظن مولع ؛ ردت عليه أمه و القلق يحوم حولها : ما الأمر يا صغيري !؟
نُزعت علامات الراحة من وجه خالد بعد أن نعتته أُمه بالصغير وقال لها بصوتٍ متضايق : لست صغيرا يا أمي .. أنا كبير !
- لا تغضب يا صغيـ … سارعت الأم في ابتلاع الكلمة واستبدالها ؛ حتى لا يغضب منها خالد أو تعكّر عليه صفو يومه .
- ستظل في نظر أمك صغيرا حتى لو بلغت أشدك وقفز بك قطار العمر فوق الأربعين !
ابتسم خالد ابتسامةً منزوعة البهجة وقال : و متى أصير كبيرا إذا !؟
- انت فارس الفرسان و ستصبح كبيرا عندما …
سكتت الأم , فأثار هذا غرابة ظهرت على وجه خالد , و حرك رأسه مستفهما يسألها بحاجبين ارتفعا واتصلا ببعضهما : عندما ماذا ؟
- عندما أراك رجلا في القسام .
سقط قلب خالد و هوى إلى الأرض , فقد أحس بأن أمه تخفي أمرا , و تقصد شيئا من وراء ما قالت ..
- إن شاء الله .. أتمنى أن أصير من رجال القسام , قوةً وأخلاقاً و صلابةً و رحمة , إنَّهم خيرة الخلق في أرض الله وغرس الطيِّب ولا يُنبِتُ الطيِّبُ إلا طيبا ..
استرسل خالد في الحديث و حين وعى على نفسه التي غرقت في بحر العزَّة حين ذكَّرها بأبناء الكتائب القسامية .. حاول دفن نهاية الحوار وغيَّبها لسببٍ في نفسه لا تعلمه الأم لكنها تُحس به … وسألها : ماذا ستعدين لنا اليوم على الغداء ؟
لقد حاولت جس نبض ابنها ليطمئن قلبها و تهدأ براكين الأسئلة في جوفها , لكنها لم تأحذ منه إجابة شافية ولذا قبلت بقلب دفّة الحوار ….
– سنذهب اليوم إلى بيت اختك هدى و ستحضر معنا , فأولاد اختك اشتاقوا لك كثيرا , و أحضر لهم قليلا من الحلوى التي تبهجهم كما في كل مرة ..
فكر خالد قليلا ثم قال : انا اليوم مشغول جدا يا أمي , سآتي بعد الغداء فلدينا تسميع في المسجد , و يجب أن لا أتغيب فقد اقترب حفل التكريم وعلينا ان نستعد له جيدا ..
- و فقك الله و بارك فيك و فيما تحفظ وجعلك نبراسا لهذا الدين تُهدى لخير طريقه و تهدي إليه كل ضال ؛ لكن سأنتظرك على الغداء في بيت هدى !
قالتها الأم أمرا ,وليس تخييرا , بكل الحنان الذي جعل خالد يتراجع عن مخططاته التي وضعها قبل ثوانٍ ثم قال : اخبريها أن تكثر من الفلفل إذا !!
و قبَّل رأس أمه و حمل ايماناً معه و ذهب ليصلي الفجر و يفتتح يومه برزق لا يحصل عليه الكثير ..
في الصباح خرج خالد في يوم إجازته قاصدا المسجد و في الطريق استوقفه صوت أحد أطفال الجيران الذي لحق به …
- خالد , خالد , توقف قليلا لماذا انت مسرعٌ هكذا !
- نعم يا شادي ما الذي تريده ؟
تسابقت الكلمات من الطفل شادي و خرجت بسرعة تُجهد من يسمعها : مصطفى سيضربني و لم أفعل له شيئا , وقال لو عدت للعب في الشارع الخلفي سيرمي عليَّ حجرا كبيرا !
- من مصطفى هذا و أين هو الآن و لماذا يضربك !
- تعال معي و سأدلك عليه , ثم أمسك شادي قميص خالد مشيرا له بأن ينزل رأسه حتى يخبره بأمرٍ يخشى أن يسمعه أحد , و أخفض صوته قائلاً :
لا تخبره أني من قال لك , اتفقنا ؟
- ابتسم خالد رغما عنه ثم قال متظاهرا بالجدية : حسنا اتفقنا !
…
– انه هو , ذاك مصطفى هل رأيته . لا تنس.. لا تخبره أنني قلت لك .. يا إلهي.. قد رآني !!
– ما بالك يا شادي اهدأ , أنا أرى مئة طفل فأيهم مصطفى !
– من يرتدي القميص الأسود والأبيض ويحمل بيده العصا و يقف لوحده , هل رأيته ؟ انه مخيف , لكن لا تخف منه لن يؤذيك , سأساعدك .
قالها شادي وهو يمسك بخالد ويقف خلفه يرتعد خوفا !
شقت الابتسامة وجه خالد ثم قال : حسنا المهم أن تساعدني ولا تتركني إن خفت او حاول أن يضربني !!
– سأفعل , لا تخف !
تحرك خالد باتجاه مصطفى و وقف شادي عنهما ببعيد ..
- لماذا تحمل العصا بيدك يا مصطفى ؟
- من أنت وكيف عرفت اسمي !؟
– أنا صديقك , ألا تقبل بأن أكون صديقا لك !؟
– ولماذا تصير صديقي , أنا صغير وأنت كبير !
- - سأصير صديقك لأنه لن يبقى لك أصدقاء , وأخشى أن تظل وحيدا , لذلك أُريد أن أصبح لك صديقا !
– أنا لدي أصدقاء كُثر , هنا و في غزة و في رفح صديقي معتز و أولاد خالته و …
أراد مصطفى أن يُكمل حديثه فاستوقفه خالد وقال له : وماذا عن شادي الذي يسكن في الشارع الآخر , هل هو صديقك !؟
- - لأ , شادي حمساوي !!
استغرب خالد كثيرا و لم يستطع أن يخفي علامات الدهشة والتعجب على وجهه : -
- ماذا تعني يا صديقي مصطفى !؟
– سألت شادي هل تحب حماس و هل أنت حمساوي , فقال لي نعم ..
– وما معنى هذا , ماذا يعني لك إن كان صديقك حمساويا او يحب حماس وما المشكلة في ذلك !؟
- والدي أخبرني أن لا أُصادق أطفالا من حماس .
تظل براءة الأطفال تغلب على ما يزرع فيهم من أفكار حقدٍ لا طعم لها ولا لون ولا هدف إلا تخريب الفطرة !
- و هل تعرف يا صديقي مصطفى لماذا رفض والدك أن تصادق أحداً من حماس ؟
– يقول أننا فتح و لا يحب حماس لأنهم يكرهوننا و يريدون قتلنا , وأنا لا أحب أن يقتل أحد والدي .
تيقن خالد بأن المشكلة أكبر من نزاع بين الصغار وهي تحتاج لحل يصعب إيجاده في لحظة , و لم يشأ اخبار الطفل بأية رسالة توضيحية لأنه سرعان ما سينقل لوالده كل صغيرة وكبيرة , و كان يرسم في عقله زيارة لوالد مصطفى , وإخبار الطفل بأية معلومة قد يكون سببا في طرده من الوالد قبل أن يستمع إليه !!
- ما رأيك ان تأتي معي يا مصطفى ؟
- أين تريد أن تأخذني ؟
- إلى المسجد , هناك الجميع يحبون بعضهم البعض و نقرأ القرآن و نتكلم كلاما يرضى الله الذي يحبنا .
- لا أُريد !
- هناك يوزعون الحلوى و العصير المثلج بعد الغداء الذي يكون دجاجا مشويا على الفحم ..
- أهذا كله لمن يذهب إلى المسجد !
- في هذه الفترة هناك احتفال و يقوم الجميع بالتحضير له و هناك وجبة الغداء و ما بعدها يتكفل بها القائمون على المسجد , لن تخسر شيئا سوى أنك ستملأ معدتك كثيرا !
أراد خالد أن يجذب الطفل كخطوةٍ أًولى , وحصل على ما تمنى ..
وبعد أن دخلوا المسجد , أجلس مصطفى في إحدى الحلقات وشرح للشيخ ما حصل معه وما زُرع في جوف هذا الطفل من أفكار حاقدة لا يجب أن تنزع طهر الطفولة و الفطرة ..
فلم يتردد الشيخ في الإنتباه لمصطفى و المبالغة في تكريمه و الإشادة به أمام باقي الأطفال حتى اغتر بنفسه و أبرقت عيناه بسعادةٍ لم يذق لها طعما قبل اليوم ..
و بعد أن انتهى اليوم أوصل خالد في طريقه مصطفى إلى المنزل و ظلَّ أياما يسايره ويليِّن أفكاره ويذهب خصيصا ليصطحبه معه إلى المسجد و يشتري منه بعض الحاجيات ويطلب من الشيخ أن يعطيها لمصطفى كتثبيت له في بداية الطريق , لأن سعادة الشخص وسروره تُسهِّل عليه استقبال أية معلومة و تفرج الأجواء الإيمانية عن القاسية قلوبهم وتُطمئنها وتشدُّها ؛ فما بالكم بالأطفال !؟
ذات يوم تأثر مصطفى بحديث الشيخ حيث تناول في الجلسة مراجعة لدرس سابق عن حب الله للعبد , فسأل خالد في اليوم التالي حين جاء يصحبه معه …
- الحمد لله بخير .
- هل أنت جاهز لنذهب إلى المسجد ..
- لا أريد أن أذهب !
- لماذا يا مصطفى هل حصل أمرا ما أزعجك ؟
- الله يحب الأطفال الذين حضروا الدرس من البداية , أما أنا أتيت متأخرا !
استهجن خالد ما سمعه و شعر أنه أمام لغز فرعوني يصعب حله , فسأل: ماذا تقصد يا مصطفى ؟
- الشيخ في الأمس قال للأولاد أن الله يحبهم وقال أنهم أخذوا الدرس هذا سابقا , لكني لم آخذه مثلكم ..
و أنزل مصطفى رأسه وبدأ يحرك بقدميه على التراب كعلامة على الحزن الذي تقطر منه الطفولة .. فهم خالد القضية بعد التوضيح الخفيف الذي أدلى به مصطفى وردَّ عليه : الله يحب جميع عباده الذين يسمعون كلامه فيطيعونه والشيخ قصد أن الأطفال أخذوا هذا الدرس سابقا , وفي كل حال بإمكان الشيخ أن يعيده لك مرة اخرى ..
- و هل إن ذهبت معك سيحبني الله مثلكم ؟
- بالتأكيد لا , فالله يحب الأطفال أكثر , أنتم أحباب الرحمن , و سيعطيكم ما تشاؤون في الجنة من ألعاب و حلوى و كل شيء جميل .
- أنا اريد ملاهي و أريد دراجة هوائية سريعة .
إن البسيط لديه يبسُط الأملُ , قالها خالد في نفسه و أجاب : سيعطيك الكثير من الدرجات الهوائية و ستذهب وقتما تشاء إلى أجمل الملاهي و ستُسعد هناك كثيرا ؛ لكن هناك شرط يا مصطفى ؟
- ما هو ؟
بدأ خالد يحرك تعابير وجهه بجدية مصطنعة تتناسب مع ما يريد أن يوصله للطفل : في المسجد يجب أن لا نكره أحدا , وعلينا أن نحب ونتصالح مع كل من نراه هناك , حتى يحبنا الله , وإن لم نفعل !!
رفع خالد نبرة صوته وقطَّب حاجبيه و أكمل : سيعطي الله من نكرهه من أهل المسجد كل شيء جميل و نحن لن نأخذ شيئا إلا أن يترك الله محبتنا !
– حسنا موافق , هيا لنسرع.. أُريد الدراجة الهوائية اليوم !
في المسجد :
عندما أكمل خالد تسميعه في هذا اليوم , نادى شادي ومشى معه إلى الحلقة التي فيها مصطفى , وما أن رآه الأخير حتى وثب من الجلسة و أراد أن يرفع صوته صارخا في شادي .. إلا أن خالد أمسك بيده و أخبره : تذكر .. نحن نريد أن يحبنا الله يا مصطفى , في المسجد , لا يجب أن نكره أحدا ..
- حسنا , عندما سأخرج من المسجد سترى يا شادي !!
رسمت الإبتسامة على وجه خالد و لكنه ما زال يلمس في مصطفى براءة الأطفال التي يحاول ان يعيد توجييها و يسعى لأن يُظهرها .. وقال له : إذا الآن علينا ان نعمل سويا في المسجد و هناك مجموعة من الأوراق يجب أن نلونها و نقوم بقصها حتى أكتب عليها .. من سيساعدني !؟
جمع خالد الأطفال حوله في حلقات صغيرة يشغلهم بالقص والتلوين و الرسم بعد جلسة حفظ القرآن , والتي لم تطل هذه المرة لأن الغد هو يوم التكريم و يحتاج ذلك























، دائماً